لماذا لا نقلق كثيراً على المهاجرين العرب والمسلمين بعد تقدم المتشددين في الانتخابات الأوروبية؟

العالم – مقالات وتحلیلات

أن يحصل كل من حزب "البريكست" اليميني المتشدد في بريطانيا، والتجمع الوطني الذي ترأسه السيدة مارين لوبان في فرنسا، على المراتب الأولى لا يعني أنهما سيغيران الخريطة السياسية في البلدين تغييراً جذريا، ولكن لا بد من الاعتراف بأن صعودهما المفاجئ شكل ضربة قوية للأحزاب الرئيسية التقليدية في البلدين، المحافظون والعمال في بريطانيا والجمهورية والاشتراكيين إلى الأمام في فرنسا.

إذا نظرنا إلى نتائج الانتخابات الأوروبية في بريطانيا فإن معظم الخبراء الاستراتيجيين يجمعون على أن أصوات الذين يؤيدون البقاء في الاتحاد الأوروبي أعلى من أولئك المتشددين الذين يؤيدون الخروج، رغم احتلال حزب "البريكست" بزعامة نايجل فاراج اليميني العنصري الذي يوصف بأنه ترامب بريطانيا، المرتبة الأولى في الانتخابات، مما يعني أنه لو جرى تنظيم استفتاء جديد على "البريكست" ستأتي النتائج عكسية ومؤيدة للبقاء.

تحقيق اليمين العنصري المتشدد تقدماً ملحوظاً بالنظر إلى أدائه في انتخابات عام 2014 يشكل قلقاً بالنسبة إلى المواطنين من أصول غير أوروبية، والعرب والمسلمين خصوصاً، لكن هذا القلق لا يجب تضخيمه لأن أي مساس بحقوق هؤلاء كمواطنين مندمجين في معظمهم في الاتحاد الأوروبي، سيؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار ستنعكس سلباً على أمن وسلامة والرخاء الاقتصادي الأوروبي، ولا بد من الإشارة إلى أن الاحتجاجات الأكبر التي سادت فرنسا، الدولة القيادية في هذا الاتحاد، كانت من أصحاب السترات الصفراء الذين يشكل البيض الغالبية الساحقة منهم، وتتواضع نسبة المهاجرين في صفوفهم.

أوروبا العجوز تجدد شبابها، وتتغير بشكل متسارع نحو المزيد من الليبرالية الديمقراطية، والابتعاد عن الأحزاب التقليدية التي هيمنت على السلطة منذ الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي سيجعل من نتائج الانتخابات الأخيرة بمثابة جرس إنذار يحفز صحوة جديدة ربما تنعكس في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة في معظم دول الاتحاد الأوروبي.

ولا نستبعد بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي بعد استقالة تيريزا ماي، رئيسة الوزراء، عبر استفتاء جديد يلغي نتائج الاستفتاء الأول، لأن القيادة الجديدة للاتحاد الأوروبي ستكون أقل تسامحاً وأكثر تشدداً، ولعل ما قاله جوسيب بوريل، وزير خارجية إسبانيا السابق، والمرشح الأبرز لتولي منصب وزير خارجية الاتحاد خلفاً لمورغيني، حول تأييده خروج بريطانيا باعتبارها عقبة كبرى في طريق الاندماج والسياسة الخارجية الموحدة، هو تحذير سيكون له تداعياته في أوساط النخبة البريطانية لأنه يوجه رسالة تقول لقد طفَح الكيل، لا أسف لخروج بريطانيا وبدون اتفاق، الأمر الذي سيعزز موقف الراغبين في البَقاء في تصورنا.

أوروبا كانت بحاجة إلى هذه النتائج الصادمة حتى تفوق من نومها، وتجدد دماءها، وتعيد ترتيب بيتها الداخلي وبالسرعة المطلوبة لوقف تقدم اليمين العنصري المتشدد الذي يهدد بإعادة الحروب ومظاهر عدم الاستقرار إليها.

* "رأي اليوم"