ما بعد تهريب العميل الفاخوري بطوافة امريكية

العالم – تقارير

في جديد قضية العميل عامر الفاخوري التي كانت ارتداداتها المباشرة على المحكمة العسكرية في لبنان، تم تعيين العميد علي غالب شريف رئيساً للمحكمة العسكرية خلفاً للعميد الركن حسين عبدالله بعد استقالته من منصبه على خلفية إطلاق العميل عامر الفاخوري.

الفاخوري الشهير بـ"جزار معتقل الخيام" الذي كان عميلا لقوات الاحتلال الاسرائيلي ضمن "ميلشيا لحد" استخدمه الاحتلال الإسرائيلي لسجن الأسرى اللبنانيين إبان احتلاله لجنوب لبنان، حيث مارس الفاخوري انتهاكات بحق الاسرى وقام بتعذيب بعضهم حتى الموت داخل معتقل سابق في بلدة الخيام جنوب البلاد.

وفر الفاخوري من جنوب لبنان عام 1998، قبل عامين من الانسحاب الإسرائيلي. وفي العام ذاته، صدر حكم غيابي بحقه بالسجن لمدة 15 عاما مع الأشغال الشاقة، لاتهامه بالعمالة للكيان الإسرائيلي.

وأقام عامر الفاخوري على مدى عشرين عاما في الولايات المتحدة. ولدى عودته إلى لبنان في سبتمبر/أيلول 2019، أُوقف وأطلق القضاء العسكري آلية ملاحقة بحقه، لكن المحكمة العسكرية اللبنانية قررت الاثنين الماضي إطلاق سراحه بعد إسقاط تهمة العمالة عنه بذريعة مرور الزمن.

ومارست امريكا ضغوطا هائلة في ملف الفاخوري تحت عنوان تقديم الدعم لمواطن ‏أمريكي، وهذا الضغط لم يقتصر على السفيرة الأمريكية بل شمل مسؤولين من السفارة الأمريكية في بيروت، ووصل الأمر إلى تحرك أعضاء في الكونغرس الأمريكي، وإجرائهم اتصالات بمسؤولين لبنانيين للمطالبة ‏بالإفراج عن الفاخوري بذريعة أنه دخل لبنان كمواطن أمريكي، وأن ما ينسب إليه سقط بمرور الزمن، كذلك بعث ‏محامون أمريكيون "رسائل تهديدية إلى وزراء لبنانيين، محذرين من أن ملف الفاخوري بات في عهدة أعضاء ‏في الكونغرس‎.

عملية تهريب العميل الفاخوري بطوافة امريكية الى قبرص ومنها الى الولايات المتحدة، فجرت حرب انتقادت حادة في لبنان تطالت جميع الاطراف بها، وتحديدا الحكومة التي وجه ترامب اليها الشكر كونها تعاملت معه، حسب تعبيره.

وعلى خلفية اطلاقه وتهريبه أعلن رئيس المحكمة العسكرية اللبنانية العميد حسين عبدالله، تَنحّيه عن رئاستها، وأبلغ قراره صباح أمس الى قائد الجيش العماد جوزف عون. وألحق ذلك بتغريدة لافتة في مضمونها، حيث قال فيها: "إحتراماً لقسمي وشرفي العسكري، أتنحى عن رئاسة المحكمة العسكرية التي يساوي فيها تطبيق القانون إفلات عميل ألم أسير تخوين قاض".

ومع الاعلان عن وصول العميل الفاخوري الى الولايات المتحدة، قال رئيس الحكومة حسان دياب، في تغريدة: "لا يمكن أن تُنسى جريمة العمالة للعدو الاسرائيلي. حقوق الشهداء والاسرى المحررين لا تسقط في عدالة السماء بمرور الزمن".

فيما أعلنت نائبة رئيس الحكومة وزيرة الدفاع زينة عدرا انها ستعمل على تعديل قانون العقوبات بما يحول دون تطبيق مرور الزمن على أعمال العدوان على لبنان.

وفي السياق نفسه، استدعى وزير الخارجية ناصيف حتي السفيرة الامريكية، واستمع منها الى شرح حول ظروف وحيثيات إخراج الفاخوري من السفارة الامريكية في عوكر الى خارج لبنان.

في هذا الوقت، إستنكر الامين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله الافراج عن العميل الفاخوري، وقال في إطلالة تلفزيونية مساء أمس: "كان من الأشرف لهيئة المحكمة العسكرية أن تستقيل ولا تأخذ قراراً بإسقاط التهم عن العميل الفاخوري، ويجب معرفة كيف حصل هذا الامر لأنه يسبّب إساءة كبيرة الى لبنان ويجب متابعته، ويجب أن تتابع قضية الفاخوري قضائياً وعلى القضاء عدم اعتبار انّ القضية انتهت بل اعتبار الفاخوري هارباً من العدالة، والمسؤولية لم تسقط بعد ويمكن ملاحقة الفاخوري امام القضاء الدولي، ونحن نؤيّد الدعوات التي طالبت بتشكيل لجنة تحقيق واضحة وشفافة".

وأكد السيد نصرالله، ان لا علم له بوجود صفقة لإطلاق الفاخوري، مُستنكراً إشارة البعض اليها وإدراج حزب الله طرفاً فيها.

وقال ان الحزب لا علم له بوجود صفقة، وما نعلمه هو عدم وجود صفقة. نحن لم نكن على علم بانعقاد جلسة هيئة المحكمة العسكرية، وعندما صدر قرار الافراح عنه سمعتُ الخبر من وسائل الاعلام واتصلتُ للإستفسار، وقالوا: يوجد جلسة عادية. وجرى ما جرى.

ولفت الامين العام لحزب الله، الى أنه منذ بداية اعتقال الفاخوري، أي منذ 6 أشهر، بدأت ضغوط أمريكية قوية على الدولة اللبنانية لحلّ هذا الملف من أجل إطلاق سراحه بلا قيد او شرط، وبعض المسؤولين كان يفكر ماذا يمكن ان نفعل بقضية الفاخوري؟ والبعض ناقش معنا انّ الامريكي يهدد بعقوبات على البلاد ووقف المساعدات، ونحن قلنا: ما يريده الامريكي هو أمر خطير جداً.

وإذ أكد "اننا نحن أصحاب القضية ولسنا جزءاً حيادياً، لذلك رفضنا إطلاق سراح الفاخوري"، أعلن رفضه "تخوين المقاومة وكذلك الشتائم والاهانات لها. فهذا غير مقبول، خصوصاً من الاصدقاء". وقال: "لا نقبل أن يتهم أحد المقاومة او يخوّنها او يشكّك بها او يهينها او يطلق الشتائم. فليخرج من صداقتنا. ومن يصرّ على تحميلنا مسؤولية إطلاق سراح العميل الفاخوري، يصرّ على البقاء في دائرة العدو والخصم لنا".

وفي تقرير نشره المنار على خلفية اطلاق وتهريب العميل الفاخوري تمت فيه الدعوة الى تطهير القضاء من التبعية، وجاء فيه ان خيار مقاومة الضغوط هو الخيار الطبيعي الذي يجب أن يتحرك القاضي على أساسه، فهو قاضٍ وليس موظفاً، والقاضي يمثل سلطة مستقلة يُفترض أن تنصف المظلومين وتستعيد الحق من الظالمين. واذا كان القاضي تربّى على أنه موظف فتلك خطيئة يجب على السلطة القضائية أن تتطهر منها بإبعاد كل من يُظهر أي ضعف أمام السلطة السياسية. واضاف

ان إعادة تشكيل المفاهيم الأخلاقية التي تحكم عمل القاضي وعلاقته بالسلطة السياسية هما من أبرز التحديات أمام السلطة القضائية، والمفتاح الذي يستعيد به القضاء ثقة الشعب، لا سيما في مرحلة مكافحة الفساد. ولا يمكن الحديث عن إعادة بناء مؤسسات الدولة واحترام القانون من دون قضاء مستقل ونزيه. نقطة على السطر.

واستنادا الى افادات العديد من الشهود وتقارير منظمات حقوقية فإن العميل الفاخوري تولى مسؤولية قيادية في معتقل الخيام، حيث ارتكب جرائم عديدة بحق المئات من المعتقلين اللبنانيين والفلسطينيين من سجن وتعذيب ما ادى الى استشهاد عدد منهم خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي، التي استمرت 22 عاما حتى العام 2000.

وتبقى جرائم العميل عامر الفاخوري الذي مارست امريكا ضغوطا واطلقت تهديدات لوقف محاكمته في لبنان والافراج عنه، تبقى وصمة عار على جبين الانسانية ستلاحقه وتلاحق الذين قاموا بتهريبه من العدالة.