مواقع التواصل الاجتماعي ‘لاتجعلوا من الاغبياء مشاهير’ !

العالم _ مقالات و تحليلات

هؤلاء الاشخاص كانوا ضحية انتشار مواقع مثل اليوتيوب والسناب شات والانستغرام والفيس بوك وتويتر وغيرها من المواقع التي جعلت منهم مشهورين بسبب مقطع فيديو نشر لهم كان فكاهيا نوعا ما او منشور لمس مشاعر القراء، وعلى الفور تم رفعهم الى مراتب عليا بطريقة رهيبة.

الامثلة على هؤلاء الاشخاص كثيرة جدا، فنيا سنشاهد مغنين وممثلين خرجوا من موقع انستغرام وليس من المعهد العالي للفنون المسرحية او المعهد العالي للموسيقى واخرهم كان "اه يا حنان" هذا الشاب الذي اصبح في يوم وليلة اهم من عبد الحليم حافظ عند فئة مهمة من المجتمع وهي فئة الشباب، حيث ان هذا الجيل هو عماد المستقبل للامة التي تعيش الان مرحلة ضعف شديد وتشتت ذهني وعقلي وقومي، فكيف ستنهض وجيلها يهتم بحنان!، بالاضافة الى اننا بتنا نشاهد فنانين لا يمتلكون من الموهبة شيئا ومعرفتهم حول الفن مثل معرفتي باللغة الصينية، ولكن كل شخص منهم خرج من موقع من هذه المواقع ولديه عدد كبير من المعجبين وجمهور يتابع اخباره حتى التافه منها، والمثال على ذلك فنانة خليجية تخبر زوجها الفنان ايضا بان منزلهما قد طاف بالماء على موقع "انستغرام" فهل يعقل هذا؟ وفنانة اخرى تشارك مع الممثل المصري كريم عبد العزيز عملا سنمائيا، والسبب المهم وراء مشاركتها هو انها تمتلك صفحات مهمة وكبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي تستطيع من خلالها الترويج لهذا الفيلم!!

هذه المواقع أخرجت لنا مخرجين لا يمتلكون رؤية اخراجية او فنية، يتصدرون الصحف والقنوات التلفزيونية وتسخر لهم المليارات من اجل اخراج اعمال مواضيعها باتت بالية، وذلك فقط لانهم فهموا طريقة اللعب على مواقع التواصل الاجتماعي وجعلوا من انفسهم "تريندتغ" وبالتالي اخبارهم باتت متابعة واسماؤهم رنانة. وفي المقابل نرى مخرجة مسرحية سورية تقدم مشروع عمل لم يحدث بعد في العالم العربي وهو "ذهب مع الريح" ولكن تغلق الابواب بوجهها بزعم لا يوجد تمويل، اي ان الفن بات اسير مواقع التواصل الاجتماعي من مطربين لفنانين وصولا للمخرجين.

مواقع التواصل الاجتماعي وصلت للاعلام والصحافة، وفرخت لنا اعدادا كبيرة من اشخاص لا يتكلمون الا عن الماسونية والامبريالية والبراغماتية والشيوعية والراسمالية والصهيونية، ولو اردنا ان نسأل اي شخص منهم عن مصطلح واحد مما سبق سوف يسكت ويتبلكم ويقول "سؤالك هو مؤامرة خارجية تقودها الولايات المتحدة لتدمير مقدرات الامة". وينسى ان امثاله هم من دمروا عقول ابناء هذه الامة.

مواقع التواصل الاجتماعي مهمة ولا ننفي ذلك لانها جعلتنا نشعر فعلا بان العالم بات قرية واحدة، لكننا فقدنا هويتنا وثقافتنا وتم تسطيح عقلنا بسببها وفقدنا انسانيتنا، فبعد ان كان الشخص منا ان شاهد قطة في الشارع تحتاج لمساعدة يهرع هو وكل من في الحي لذلك، بتنا الان نشاهد مقاطع فيديو منتشرة لبشر بحاجة لمساعدة ولكن بدلا من تقديم العون لهم، تم تصويرهم ليحصل من خلال صورهم على الاعجابات في مواقع التواصل الاجتماعي، ففي الامس انتشر مقطع فيديو لطفلة سورية تتعاطى نوعا من المخدرات على طرف نهر بردى في العاصمة دمشق، وبدلا من مساعدتها، قام احد الشباب بتصويرها فقط، ومن ثم رمت بنفسها في النهر ولم يساعدها لانه اكتفى بالتصوير، ومثل هذا حصل في العراق مع كارثة عبارة الموت في نهر دجلة قبل ايام، العشرات ان لم يكن المئات كانوا يصورون بينما كان الشهداء يموتون غرقا.

خلال السنوات الاخيرة انتشرت ظاهرة "إدمان الإعجاب او اللايك" اضافة الى "ادمان المشاركات والتعليقات" وانتقل هذا الامر من مواقع التواصل الاجتماعي الى الحياة العملية بين الاهل والاصدقاء وحتى في العمل واكثر من يعاني منها من هم المراهقين والشباب، وبالنظر الى هذه الظاهرة وتحليلها نرى ان هذا الشخص لديه نقص في الثقة بالنفس ويبحث عن القبول الاجتماعي بشكل مرضي. وقد يصل الامر بالشخص ان يخاصم او يهجر من يحب بسبب عدم تعليقه على منشور كتبه او عدم وضعه اعجابا على صورة نشرها. ويسيطر هذا الادمان على عقله ويقضى وقتا اطول على هذه المواقع محاولا اثبات نفسه الكترونيا مما يقوده في النهاية لانعزاله عن المجتمع، وخطر هذا الامر مثل خطر المخدرات بل اكثر.

مواقع التواصل الاجتماعي مهمة واوجدت للتواصل وليس للانعزال او لكي نجعل من الاغبياء مشاهير، لذلك كفى تستطيحا للعقل العربي، لاننا لم نخلق لمثل هذا ابدا.

ابراهيم شير – كاتب واعلامي سوري