ناصر القرني فرّ من السعودية لـ’انقاذ والده’.. ماذا عمّن لا يستطيع الفرار؟

العالم – كشكول

الشيخ عوض القرني، داعية إسلامي وكاتب سعودي وأستاذ جامعي، له الكثير من المؤلفات والفيديوهات والبرامج التي جعلت شعبيته كبيرة للغاية في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون وفي دول عربية.. وفي 12 سبتمبر، 2017، ألقت السلطات الأمنية السعودية القبض على القرني ضمن حملة اعتقالات طالت عددا من المفكرين والدعاة والناشطين، ووجهت اليه عدة اتهامات تشمل" تأييد جماعة الإخوان المسلمين، التحريض على القتال في مناطق الصراع والفتنة، التحريض بالإساءة لقادة الدول الأخرى، وإثارة الرأي العام، والتأثير على ترابط المجتمع مع قيادته، وغيرها.

وقضت محكمة سعودية تبت في قضايا "الإرهاب"، في مارس 2017 بإغلاق حساب القرني على تويتر، والذي يتابعه أكثر من مليوني شخص. كما تعرض الشيخ القرني بتهمة غسيل الأموال وذلك على خلفية "دعمه للجهاد" في غزة.

بعد ذلك وفي 6 ايلول/ سبتمبر عام 2018 كشف حساب "معتقلي الرأي" المتخصص في نقل أخبار المعتقلين السعوديين، أن النيابة العامة السعودية طالبت بالحكم على الشيخ عوض القرني بالقتل تعزيراً. وقال الحساب عبر تويتر: "تأكد لنا أن المحكمة الجزائية المتخصصة عقدت جلسة سرية للشيخ عوض القرني، وجهت خلالها النيابة العامة لائحة تهم زائفة ضده وطالبت بما سمّته قتله تعزيراً".

وإضافة للقرني، شملت المحاكمات السرية الأخيرة كلاً من سلمان العودة، وعلي العمري، ومحمد الهبدان، وغرم البيشي، ومحمد عبدالعزيز الخضيري، وإبراهيم الحارثي، وحسن إبراهيم المالكي، ودعاة آخرين.

ناصر، نجل الداعية عوض القرني نشر على موقع "تويتر" مقطع فيديو يعلن فيه فراره خارج المملكة والوصول إلى ما قال إنه "مكان آمن"، مضيفا انه خرج من السعودية من أجل الدفاع عن والده "المعتقل الذي تطالب النيابة العامة بإعدامه ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه في بلاده"؛ دون ذكر الوجهة التي قصدها.

وقال ناصر في مقطع الفيديو "أعلم أن الكلام بالداخل قد تكون نتيجته الاعتقال، وقد اعتقل حتى وأنا صامت فقط لأنني ابن الدكتور عوض القرني"، مضيفا "نحن في الداخل استنفذنا كافة الطرق لأجل الافراج عن والدي وإيقاف الظلم الجائر الذي تعرض له".

وتابع: "المزيد من المطالبة بوقف الانتهاكات تعني مصيرا محتوما بالاعتقال والتنكيل، خرجت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في بلادي من نصرة معتقلين ورفع الظلم عن والدي المهدد بالإعدام"، مضيفا "للأسف أن وطني يتساقط ليس فقط حقوقيا، بل في كل المجالات اجتماعيا اقتصاديا سياسيا"؛ "باتت أحلام الشباب في ضياع، وحقوقهم تنتهك بأحكام قاسية لأجل تغريدة أو رأي في مجلس خاص، بالإضافة إلى المطالبة بالإعدام لاجل رأي مختلف".

واختتم مقطع الفيديو بالقول "بكل أسف أعلن أنني خارج بلدي كنت أحلم مثل كل الشباب أن أعبر رأيي وأنا في وطني".

يُشار إلى أن مغادرة ناصر القرني هي المفاجأة التي كان قد تحدّث عنها المعارض السعودي البارز سعيد بن ناصر الغامدي قبل أيام، والتي كان قد تحدّث فيها عن أن شخصية معارِضة تمكنت من المغادرة، وستكشف معلومات خطيرة عن ولي العهد محمد بن سلمان.

وقال الغامدي: "ها هي المفاجأة التي كتبت عنها ثم أشرت إليها وهذه بداية الطريق لهذا البطل الشهم الذي ضحّى لإنقاذ أبيه الشيخ عوض القرني فرج الله عنه وسائر المعتقلين".

وأضاف: "أناشد أقارب المعتقلين أن يسعوا للخروج والتحدث من الخارج علماً بأنه قد خرج بعضهم ونأمل أن يتحركوا في شأن أقاربهم بأسرع ما يمكن".

وكان الغامدي قد قال في تغريدته السابقة: "في ظروف استثنائية تمكّن بطل من بلادنا من النجاة من بين أيدي الظلمة وأجهزتهم، بما معه من معلومات. وسيحدثكم قريبا عن أهوال ما وجد، وينشر مفاجآت يختلج لها وجه وفم نظام (محمد بن سلمان)".

وسبق أن أبدت منظمات دولية متعددة قلقها على ظروف احتجاز القرني والعودة، وطالبت السلطات السعودية بالإفراج عنهما في أسرع وقت من السجون السعودية، التي يعاني المعتقلون فيها من التعذيب الجسدي والنفسي.

وفي منتصف ايلول/ سبتمبر الماضي، انتفضت العديد من المنظمات والجهات الحقوقية بحملات إلكترونية نصرة لأبرز العلماء والأكاديميين والمؤثرين والدعاة، الذين ذهبوا ضحية حملة الاعتقالات التي شنتها السلطات السعودية بحقهم قبل 5 سنوات.

ودشّن ناشطون في هذه الذكرى وسماً بعنوان "اعتقالات سبتمبر 5 سنوات"، وذلك للتذكير بالعلماء والأكاديمين القابعين في السجون السعودية. وأكد النشطاء خلال هذه الحملة أن السعودية -وخلال حملة اعتقالات سبتمبر- خسرت الكثير من الأمور، وأهمّها أن المجتمع خسر قدواته المؤثرة وموجهيه ومصلحيه، كما خسرت مؤسسات الدولة الأكاديميين والكفاءات العلمية التي ساهمت في بناء الجامعات، أفسح ذلك المجال أمام المشاريع الهدامة.

واليوم ايضا حكمت المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض على المدون السعودي "داوود العلي"، بالسجن 25 عامًا لمعارضته تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني.

وبحسب المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، فقد أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض، وهي محكمة جرائم الإرهاب، حكما بسجن العلي 25 عامًا لتهم تتعلق بكتاباته على "تويتر".

وبذلك تستكمل السلطات السعودية مسلسل جورها وتغُلظ أحكام كل رافض لمشاريعها وسياساتها.. وهذه المرة، يأتي دور المدون داود العلي، الذي اُعتقل عام 2020 على خلفية نشاطه على موقع تويتر.

ويُعرف عن العلي وهو من الأحساء رفضه الشديد للتطبيع مع الصهاينة، وقد حوّل حسابه على تويتر إلى منبر لانتقاد سياسة الخيانة، مناصرًا القضية الفلسطينية دون خوف أو تردّد في ظلّ الترهيب المتواصل لأجهزة الدولة الأمنية.

وعلى الرغم من فضح الأحكام التعسفية والظالمة للمحاكم السعودية التي في الأصل تفتقد الى الشفافية والنزاهة والعدالة، لا تبدو السلطات بوارد التراجع عن أحكامها المروّعة بحقّ الناشطين وكلّ من يتجرأ على القول "لا" لما تريد أن تكرّسه أمرًا واقعًا في أرض الحرمين الشريفين.

اليوم خرج ناصر القرني لانقاذ نفسه ووالده من الجور والظلم، لكن يبقى السؤال: ماذا عن الذين لا يستطيعون الفرار من مصيرهم المحتوم، ممن هم محكومون بالاعدام والسجن لمدد طويلة جدا؟ ففي السنوات الماضية لقي العديد من المعارضين والناشطين والمنتقدين مصيرهم الذي تنوع بين القتل والتقطيع بالمنشار كما حصل مع الصحفي جمال خاشقجي، والاعدام بقطع الرأس بالسيف، كما حصل مع رجل الدين نمر باقر النمر، اضافة الى العديد من احكام الاعدام التي تطال الشباب بالجملة بين الحين والآخر، والاعتقال والاحكام بالجسن لمدد عجيبة تصل الى 45 عاما لمجرد تغريدة على موقع تويتر.

اللافت ايضا ان الإعلام السعودي يتهم دولا اقليمية بقمع الحريات والتظاهرات، وسجونه مملوءة بالمعتقلين الرجال والنساء والفتية والمرضى، لمجرد تعبير عن الرأي، حتى ابناء المعتقلين يشعرون بالخطر لمجرد ان اباءهم معتقلون، كما كشف ناصر بن عوض القرني في مقطع الفيديو.

فماذا عمن لا يستطيع الفرار من المملكة؟