هل تخلت مصر عن الجنرال حفتر بزيارتها لطرابلس؟

العالم – مصر

وتحدثت الإعلانات الرسمية من الجانبين عن بدء عودة العلاقات الدبلوماسية والسياسية واحتمالات إعادة فتح السفارة المصرية في طرابلس، دون توضيح لاسباب القاهرة في التحرك الأخير، خصوصا وانه يأتي بعد أيام فقط من زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى الشرق الليبي ولقائه الجنرال حفتر.

ويمكن الحديث في إطار التحرك المصري عن “تخفيف للنبرة المصرية في ليبيا” في إطار التحضر لتولي الرئيس الديمقراطي جو بايدن دفة الحكم في الولايات المتحدة الامريكية، ومحاولة لإعادة ترتيب أوراق القاهرة في الملف الليبي بعد دخول دول المغرب العربي جميعا على الخط ضمن الرعاية الاممية.

إلى جانب ما سبق، فلا يمكن عزل التحرك المصري عن التهديدات التركية باستهداف الجنرال خليفة حفتر وداعميه والذين تتسيدهم مصر وفق التقارير الأممية الى جانب عربيا الامارات والأردن والسعودية ودوليا روسيا وفرنسا. ما يعني ان القاهرة تطمح بتحويل دورها في ليبيا من داعم لحفتر والجيش الوطني التابع له، إلى دور ابعد قليلا على الطريقة الروسية في سوريا، على الأرجح.

بين القاهرة وأنقرة

ويتحدث مراقبون عن كون التقارب مع طرابلس يمر عبر بوابة أنقرة، ما يرجح استجابة القاهرة لدعوات التواصل التركية التي انطلقت مرارا نحو مصر للحوار في الملف الليبي، رغم ان المحللين المصريين ينفون ذلك ويؤكدون على القطيعة.

وقال مدير تحرير صحيفة “الاهرام” المصرية العريقة اشرف العشري ان التواصل انقطع مع الاتراك منذ شهر أغسطس/ اب الماضي وذلك لعدم تلبيتهم مطالب القاهرة، في وقت اصر فيه المستشار السابق لحكومة الوفاق الليبية صلاح البكوش ان التواصل قائما بين انقرة والقاهرة على المستوى الاستخباري العسكري في القوت الراهن. وجاء النقاش الحاد ضمن حلقة من برنامج مسائية DW على شاشة التلفزيون الألماني.

وأجرى وفد أمني مصري الاحد محادثات في العاصمة الليبية طرابلس، واجتمع مع وزيري الداخلية والخارجية بحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، في زيارة هي الأولى منذ ستة أعوام؛ وتحدثت الإعلانات الرسمية عن بحث الاجتماع “التحديات الأمنية المشتركة وسبل تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، إضافة إلى سبل دعم اتفاق وقف إطلاق النار وما توصلت اليه لجنة 5+5 من أجل تأييد المجهودات الأممية بشأن الحوار السياسي والخروج من الأزمة الراهنة بالطرق السياسية والسلمية”.

وأوضح محمد القبلاوي المتحدث باسم وزارة الخارجية الليبية عبر تويتر ان “الوفد المصري وعد الجانب الليبي بإعادة عمل السفارة في طرابلس في أقرب الآجال، والاتفاق على ضرورة وضع حلول عاجلة لاستئناف الرحلات الجوية الليبية للعاصمة القاهرة”.

وجاءت الزيارة عقب يوم من زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي آكار لطرابلس، حيث توعد المشير حفتر وداعميه، في حال تعرضهم للوجود التركي في غرب ليبيا.

وبهذه الصورة تبدو التساؤلات عن قدرة حكومة الوفاق على الجمع بين القاهرة وحلفائها من جهة وانقرة وحلفائها من جهة ثانية مشروعة بالنظر إلى التطورات الإقليمية المختلفة، خصوصا مع بروز خلافات داخل حكومة الوفاق نفسها التي يقودها فايز السراج على التقارب مع القاهرة.

ويربط كثيرون بين المصالحة في ليبيا مع المصالحة الخليجية المرتقبة في 5 يناير/ كانون ثاني المقبل، والتطلع الخليجي المصري للمباعدة بين قطر وتركيا.

خلاف بين داعمي حفتر؟

ويبدو عمليا ان الموقف المصري يتبدل استجابة للمتغيرات التي فرضت على حفتر هدنة وفقا لاتفاقات اللجنة العسكرية 5+5، إضافة للمتغير الأبرز في الموقف الأمريكي المتوقع ان يحمله القادم الجديد للبيت الأبيض. ولايزال هناك من يشير في التحليلات العربية لتباين حاصل في المواقف بين أبو ظبي والقاهرة منذ اتفاق التطبيع الأخير بين الامارات و"إسرائيل" الامر الذي لا يوجد عليه الكثير من الأدلة الملموسة وكذلك لا توجد ادلة على نقيضه.

ولكن الأكيد ان المحور الداعم لحفتر في مرحلة تسودها إعادة التموضع بعد اتفاقات الهدنة، وقد تكون القاهرة تتباين فعلا مع بعض المواقف بعد الرعاية المغربية للاتفاقات والتحركات الأممية والمشاركة التونسية في ذلك، مع استثناء الدور المصري، رغم الإقرار الدولي بأن التهديدات المصرية بالخط الأحمر “سرت- الجفرة” هي من أوقفت المدّ التركي- الطرابلسي للشرق، واتاحت مجال العودة لطاولة المفاوضات.

ولم تبرز عن بقية داعمي حفتر أي ردود أفعال غير تباحثات في ملفات أخرى بين الرئيس المصري ونظرائه، لم يتم الإعلان عما اذا كانت تضمنت ملف ليبيا ام لا.

عودة الفيدرالية؟

ولعل من الملفت للنظر أن مصر لم تلتقِ فقط بالغرب الليبي خلال الأيام القليلة الماضية، فقد احتضنت القاهرة لقاءات مع زعماء قبائل جنوب ليبيا (75 شخصية)، قبيل توجه الوفد المصري الى طرابلس.

ويرى كثر أن مصر (مدعومة بإرادة دولية) قد تعيد احياء النقاش حول ليبيا الفيدرالية بين الجنوب والشرق والغرب، تفاديا للتقسيم الكامل، وهو ما لا يزال المستوى السياسي المعلن لا يتحدث عنه، ولكن التحركات الدولية قد تشير اليه أيضا، خصوصا بعد ان طبّعت الحكومة الإيطالية (الداعمة لطرابلس) علاقتها مع الشرق الليبي ضمن صفقة استعادة صياديها، ما يمكن ان يرجح تقسيما بينيا للدولة الليبية ولو في اطار مشروع الفيدرالية الذي كان مطروحا عقب تدخل حلف شمال الأطلسي في هذا البلد الشمال افريقي الغني بالثروات.

بكل الأحوال، تتفكك الازمة الليبية على المستوى الدولي اكثر مما يبدو عليه الامر على المستوى الداخلي، ما يتيح للمراقبين التريث قبل الجزم بتغير التحالفات او حتى انتهاء وانقضاء زمن المعارك، ولكن الأكيد في المرحلة الحالية ان الزيارة المصرية والتواصل بين طرابلس والقاهرة تفتح فصلا جديدا في التعاطي الافريقي مع الازمة الليبية ولعل ذلك يكون على المستوى العربي أيضا.

فرح مرقه – “رأي اليوم”