هل ترقى حكومة الكاظمي لمستوى الآمال المعقودة عليها؟

العالم – مقالات وتحليلات

فلا حكومة الكاظمي هي الأولى التي أمسكت بزمام أمور العراق بعد سقوط نظامه السابق عام 2003، ولا الاحزاب والجهات الرئيسية الفاعلة في العملية السياسية تغيرت، ولا القوانين والدستور والهيكل السياسي تغير، فلماذا كل هذه الآمال معقودة على حكومة الكاظمي، خاصة انها لم تصدر من جهة واحدة وانما العديد من الجهات، فالشعب العراقي يأمل أن ينقذه، والاحزاب والشخصيات تتمنى ان ينتشل العراق من محنه، والدول تطمح بتجاوزه للأزمات؟

كل هذا صحيح غير أن الشيء الوحيد الذي حدث في العراق ولم يحدث من قبل هو التظاهرات والمسيرات الشعبية التي استمرت لعدة أشهر، وطالبت بشكل أساسي بانهاء الفساد الذي تفشى في كافة مفاصل الدولة، وكذلك تحسين الخدمات وفي مقدمتها خدمة الكهرباء، اضافة إلى خفض معدل البطالة وتحسين الوضع الاقتصادي العام والخاص، وانهاء الخروقات الأمنية التي تقع هنا وهناك، وغير ذلك من المطالبات.

كل الذين حرصوا ويحرصون على استقرار العراق واستتباب أمنه توجسوا خيفة من توجيه بعض المندسين للتظاهرات السلمية إلى اتجاهات خطيرة، وقد برزت مظاهر مرعبة خلال التظاهرات من بينها حادث ساحة الوثبة في بغداد، وبغض النظر عن جميع التحركات المشبوهة والمظاهر المرعبة التي حدثت في التظاهرات، فان شعوب العالم بما فيهم الشعب العراقي لم توقع على بياض للحكومات التي تتولى ادارة الامور، ومن المؤكد أنها ستنتفض وتكون احيانا انتفاضتها مدوية عندما ينفذ صبرها.

العراقي شأنه شأن أي انسان في العالم يريد أن يعيش حياة هنيئة وبعزة وكرامة لا تعكر حياته الانفجارات والهجمات والاعتداءات والاختلاسات والترهلات والتسيبات والاحتكارات والرشوات، وربما سيصبر ويتحمل اذا كان بلده فقيرا ولا يمتلك شيئا، ولكن عندما يرى أن ثرواته لا تعد ولا تحصى، ومع ذلك يعيش وضعا بائسا فهذا ما لا يتحمله بتاتا.

أموال العراق اما أن يهدرها مسؤول لا يعرف التصرف، أو مسؤول ليس مختصا، أو مسؤول مرتش، أو مسؤول مختلس، أو مسؤول لا يهمه سوى ملئ جيوب أعضاء حزبه، أو مسؤول لا يهمه سوى عقد الصفقات مع الدول التي يواليها، لذلك عندما يرى العراقي هذا الواقع فمن حقه أن ينتفض، ومن حقه أن يطالب الحكومة بتعيين النزيهين والمخلصين والمختصين والعصاميين في المناصب الحكومية.

مطالبات العراقيين ليست بدعة ولا هي فوق الحقوق المشروعة، بل هي في صلب مسؤوليات المسؤولين، فحتى لو لم يطالب العراقي بتحسين وضعه وانهاء الفساد وانهاء الفوضى الأمنية فيجب على كل مسؤول أن يقوم بهذه المهام فهي أساس وجوده في منصبه، ولكن السؤال المطروح هو لماذا لم يرتق واقع الحكومات العراقية السابقة إلى مستوى طموح الشعب ما اضطر العراقيين إلى الخروج للشوارع والمطالبة بالتغيير؟

السبب الرئيسي هو أن الدستور وخاصة المواد المتعلقة بالانتخابات وآليات تعيين المسؤولين في الاجهزة الحكومية وخاصة التنفيذية؛ كلها تفرز هذا الواقع السيء، لذلك يتعين على الكاظمي المطالبة باعادة النظر بالدستور العراقي، وبما أن ذلك يصعب تحقيقه على المدى القصير، فيمكن الوقوف بقوة امام التبعات السلبية للدستور وافرازاته.

بمعنى آخر اذا كان الكاظمي لا يستطيع منع جهة ما من فرض مرشحيها عليه، لأن ترشيحها جاء بناء على الدستور أو ما يسمى بالاستحقاق الدستوري، ولكنه يستطيع مطالبة تلك الجهات بترشيح نزيهين وأكفاء ومختصين للمناصب والمسؤوليات، ليقوموا بواجباتهم ومهامهم على أفضل وجه.

هذا على صعيد المسؤولين، وهو جانب مهم للغاية في تحقيق مطالب الشعب العراقي، أما الجانب الآخر الذي لا يقل أهمية عن الأول فهو تدخلات بعض الدول في شؤون العراق والضغوط الكبيرة التي تمارسها على الحكومات العراقية لتمتثل لطلباتها وتستجيب لشروطها، وخاصة الصفقات الفاسدة التي ترغم الحكومة العراقية على ابرامها، مما يستلزم من الكاظمي أن يكون صارما في هذا الاطار ولا تأخذه في مصلحة العراق والعراقيين لومة لائم.

طبعا هذا لا يعني انه يسل سيفه ويبدأ بمحاربة هذه الدولة أو تلك، بل أن وضع العراق السياسي والأمني والاقتصادي بل وحتى الاجتماعي لا يسمح له القيام بذلك، وانما يجب أن تكون علاقة العراق مع سائر الدول مبنية على اسس منطقية ومعقولة ومتوازنة، المعيار الرئيسي فيها هو مصلحة العراق ليس سواه.

* صالح القزويني